قد يجمع الله الشتيتين | مقدمة فتح الباري
(قد يجمع الله الشتيتين) | مقدمة فتح الباري
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإني لا أعلم، أن متنًا من متون الكتب، بلغ الغاية من الاشتهار بين أهل العلم -ولا سيما علماء الحديث- كما بلغ متن الجامع الصحيح للبخاري، كما أني لا أعلم شرحًا للبخاري، بلغ في الشهرة حدًّا يداني شرح (فتح الباري) لصحيح البخاري، الذي ألَّفه الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله، حتى صار يقال فيه: لا هجرة بعد الفتح.
وبالنظر إلى أن رواة البخاري -من تلاميذه- قد بلغوا حدًا كبيرًا، وكان أشهرهم حفظًا وإتقانًا هو محمد بن يوسف بن مطر الفربري، الذي سمع (الصحيح) من البخاري مرتين.
وكان مِن أتقن الرواة وأحفظهم لصحيح البخاري ثلاثة من الأئمة الأعلام، وهم الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملي، والحافظ أبو محمد عبد الله ابن أحمد السرخسي، وأبو الهيثم محمد بن مكي الكشميهني، وقد رواه هؤلاء الثلاثة الأعلام، وسمعوه من الحافظ الفربري، ثم رواه عن هؤلاء الثلاثة الحافظ الإمام أبو ذر عبدُ أو عبد الله بن أحمد الهروي.
ولما عزم الحافظ ابن حجر العسقلاني على شرح (صحيح البخاري) ذكر أنه سيقتصر في شرحه للجامع الصحيح على أتقن الروايات عنده، وهي رواية أبي ذر الهروي عن مشايخه الثلاثة، لضبطه لها وتمييزه لاختلاف سياقها، مع التنبيه إلى ما يحتاج إليه مما يخالفها.
كما ذكر الحافظ رحمه الله في مقدمة (فتح الباري) أنه كان عازمًا على أن يسوق حديث الباب بلفظه قبل شرحه، ثم رأى أن ذلك مما يطول به الكتاب جدًّا، ولذلك لم يأتِ بمتن (البخاري) مع (الفتح)، وقد غفل عامة من جمع متن (البخاري) مع (فتح الباري) عن شرط الحافظ ابن حجر رحمه الله، فقد جاءت جميع المتون التي خُطّت أو طُبعت مع (فتح الباري) ملفَّقة للرواة الآخرين.
